السيد كمال الحيدري
173
تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)
النظرية والفكرية المستمدّة من اللّفظ ، أم هي حقائق وراء اللّفظ لها استقلالها السنخي عن الألفاظ ، وإن كان يمكن أن تكون ثَمَّ علاقة تركيبيّة من نوع مّا ما بين الاثنين ؟ بتعبير آخر : ما هو منشأ هذا العمق ، وما هو سرّ اختصاص القرآن بالبطون وتوافره على شموليّة المعنى ؟ أيعود ذلك إلى كينونة القرآن وأنّه يتألّف من حقائق ذات مراتب متعدّدة تكمن وراء اللفظ ، لا يكون اللّفظ إلّا التعبير الأخير عن تلك الحقائق أو قشرة ذلك اللّب ، على ما رسمت ذلك المدرسة الوجودية ؛ أم أنّ الذي ينشئ عمق القرآن وغور معانيه وثراء مفاهيمه وتعدّدها هو اللفظ وكيفيّة استعماله وتركيبه ، ومن ثمّ فإنّ البطون والمعاني المترتّبة على بعضها هي من مقولة المفاهيم والتأويلات الذهنية التي تنبثق عن دلالة اللفظ وطبيعة التركيب أو ممّا يحتمله اللفظ القرآني ويكون أحد مدلولاته ، وتخضع عملية نيلها ووضع اليد عليها إلى بذل الجهد العقلي والنشاط الذهني التأويلي والاتّصاف بحدّة الذكاء وعمق التفكير وما إلى ذلك ؟ الحقيقة أنّ البطون مسألةٌ ثابتة في ضوء الاتّجاهين كليهما المعرفي والوجودي ، وأنّ ما يختلف بينهما هو التفسير . فالاتّجاه المعرفي وما يتضمّنه من مدارس تنحصر تعاملها مع القرآن كنصّ وحسب ، ترى أنّ النصّ هو الذي يحوي عدداً من المعاني والبطون والأغوار . أمّا الاتّجاه الوجودي فيتعامل مع البطون بوصفها حقيقةً كائنة وراء النصّ وخارجة عنه تنطوي على مراتب ، فهنا مراتب وبطون ، وهناك مراتب وبطون أيضاً ، لكنّها في الاتّجاه الوجودي من سنخ الحقائق ، أمّا في الاتجاه المعرفي ، فالبطون من مقولة المفاهيم والتأويلات الذهنية ، والاختلاف